مؤيد الدين الجندي
310
شرح فصوص الحكم
قال - رضي الله عنه : « ونوح عليه السّلام دعا قومه « 1 » ليلا ونهارا من حيث عقولهم وروحانيتهم ، فإنّها غيب ، ودعاهم أيضا ظاهرا صورهم « 2 » وجثّتهم ، وما جمع في الدعوة مثل « ليس كمثله شيء » فنفرت بواطنهم لهذا الفرقان فزادتهم فرارا » . « 3 » قال العبد : الغيب غيبان : حقيقي وإضافي ، والغيب الإضافي عالم الأمر والإبداع ومن الأرواح والعقول والنفوس ، ودعوة نوح من هذه الحيثيّة إلى ما تقتضيه النزاهة والقدس والتوحيد والتجريد وموجبات الانسلاخ عن الكدورات البشرية العنصرية والأوساخ ، فهي ليل من وجه باعتبار أنّ الحجب فيها متراكمة ، وأحكام الإمكان كظلمات مدلهمّة ، وعالم الإبداع والأمر أيضا ليل من وجه آخر من كونه غيبا بالنسبة والإضافة إلينا ، ونهار باعتبار أنّه أوّل مراتب الظهور والشهادة بالنسبة إلى الغيب الحقيقي وعالم المعاني . ثمّ النهار بالاعتبار الحقيقي هو عالم الظهور التامّ والملك والشهادة ، ودعوتهم نهارا إنّما تكون بلسان عالم الشهادة بحكمه إحكام أحكام المصالح الجسمانية ، والاهتمام بإقامة إلهام الصورية المعيشية . وكانت دعوة نوح أوّلا على الوجه الأوّل ، وثانيا على الوجه الثاني ، ولم تكن بلسان الجمع بين الدعوتين في الحالين ، كما مرّ ، فوقعت منهم الإجابة - كالدعوة بالفرق فعلا وقولا - في صورة الردّ ، فتذكَّر وتدبّر . قال - سلام الله عليه - : « ثمّ قال عن نفسه : إنّه « 4 » دعاهم ليغفر لهم ، لا ليكشف لهم ، وفهموا ذلك منه « 5 » عليه السّلام . لذلك * ( جَعَلُوا أَصابِعَهُمْ في آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيابَهُمْ ) * « 6 » .
--> « 1 » في المعتبرة : دعا قومه - ليلا - من حيث عقولهم وروحانيتهم ، فإنّها غيب ، و - نهارا - دعاهم أيضا من حيث صورتهم وحسّهم . « 2 » في بعض النسخ : . . . من حيث ظواهر صورهم وحسّهم . وفي بعض النسخ : . . . من حيث ظاهر صورهم وجثثهم . « 3 » في بعض النسخ : فزادهم فرارا . « 4 » في بعض النسخ : إذ دعاهم . « 5 » في بعض النسخ : صلَّى اللَّه عليه وسلَّم . « 6 » نوح ( 71 ) الآية 7 .